المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مخطوطات البحر الميت تكشف حقائق جديدة عن تاريخ الديانة اليهودية


سوق الكتبيين
04-02-2008, 09:56 AM
سوق الكتبيين /



مخطوطات البحر الميت تكشف حقائق جديدة عن تاريخ الديانة اليهودية
أخطر اكتشافات القرن العشرين
صحيفة الراية القطرية
آخر تحديث: الإثنين28/1/2008 م، الساعة 02:19 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة

بقلم - خيري عبدالجواد :
تعد مخطوطات وادي قمرات، والتي عرفت بمخطوطات البحر الميت، من أخطر وأهم مخطوطات دينية تم اكتشافها حتي الآن، فهي ترجع الي نحو ألفي سنة، وتشتمل علي نصوص أصيلة لملة يهودية هي الأسينية والتي لم يعرف عنها الكثير، الأمر الذي ترك المجال مفتوحا لخيال المؤرخين، ولافتراضات كثيرة أهمها وأكثرها انتشارا أن المسيحية ولدت وترعرعت في البيئة الأسينية . ان اكتشاف مغاور قمران علي البحر الميت، حيث كانت تعيش هذه الجماعة الدينية، وحيث تركت إرثا غنيا من مخطوطات التوراة والتوراة المنحولة، بالاضافة الي كتب الملة نفسها، هذا الاكتشاف والذي يعد من أعظم اكتشافات القرن العشرين، أعاد فتح ملف تاريخ الدين اليهودي، بل والتاريخ الديني للمنطقة بشكل عام، وقد جاءت المخطوطات، التي حققت ونشرت علي مدي أكثر من خمسين عاما، لتكشف عن جوانب مثيرة من حيث التطور التاريخي والسياسي للدين اليهودي في العصور السابقة للميلاد، وتأثره بالمتغيرات العاصفة التي كانت تشهدها المنطقة، أيضا من حيث الأفكار التي كانت سائدة في قمران والتي كانت منتشرة في عدد من المواقع خارج فلسطين وأهمها دمشق، حيث يمكن أن نجد آثار هذه المعتقدات في العديد من الاتجاهات التي استمرت في المنطقة أو خارجها بعد نهاية الأسينيين.
الأمر المدهش والذي يدعو الي التساؤل هو لماذا تأخر تحقيق ونشر هذه المخطوطات كاملة ؟ رغم اهتمام الرأي العام العالمي خلال العقدين الماضيين، ولمصلحة من تم إخفاء أجزاء كاملة من المخطوطات؟
ان الاجابة بالطبع لا تحتاج الي الكثير من الذكاء، فقد أدي الكشف عن المخطوطات التي كانت محتجزة لدي بعض اليهود، ليؤكد من جديد أن الدين اليهودي انطوي علي تناقض، ولد صراعا حادا مع بداية العهد المسيحي يعكس المرحلة الأخيرة التي عاشها في محاولة يائسة لإيجاد قومية يهودية، ومما لاشك فيه أن الصهيونية لعبت دورا كبيرا في تأخير نشرها في محاولة منها لإيهام الرأي العام بأن المخطوطات تحتوي علي ألغام دينية ، وبالمقابل حاول اليهود جاهدين التركيز علي أن هذه المخطوطات جاءت لتؤكد أصالتهم في المنطقة، وهو ماتثبت الدراسة المتمعنة للمخطوطات عكسه تماما.

قصة اكتشاف المخطوطات
تعد قصة اكتشاف المخطوطات داخل كهوف وادي قمران من القصص المثيرة،والتي تشبه في بعض جوانبها حكايات ألف ليلة وليلة بما تتضمنه من مغارات وكهوف وكنوز وقنان وما الي غير ذلك، ففي كتابه مخطوطات البحر الميت والصادر عن دار الشروق، يقول مؤلف الكتاب أحمد عثمان انه تم العثور علي الكهف الأول في ربيع 1947 بالقرب من البحر الميت، وكانت فلسطين لا تزال تحت الحماية البريطانية، وما تزال مدينة القدس والضفة الغربية في أيدي الفلسطينيين، فقد أضاع الصبي محمد الديب إحدي الماعز من قطيعه، وكان ينتمي الي قبيلة التعامرة التي تتجول في المنطقة الممتدة من بيت لحم والبحر الميت، وصعد الصبي فوق الصخرة باحثا عن معزته، فشاهد فتحة صغيرة مرتفعة في واجهة سفح الجبل، وعندما ألقي محمد بحجر داخل هذه الفتحة سمعها تصطدم بمادة فخارية في داخل المغارة، فأعاد الكرة وألقي بعدة أحجار أخري، وفي كل مرة يسمع نفس الصوت، عند هذا تسلق محمد سفح الجبل وأطل برأسه داخل المغارة، واستطاع في ظلام الكهف أن يشاهد عددا من الأوعية الفخارية مصفوفة علي أرضية الكهف، وفي صباح اليوم التالي عاد محمد ومعه أحد أصدقائه، ونجح في دخوله فعثر علي عدة أوعية فخارية بداخلها لفافات تحتوي علي سبع مخطوطات، وسرعان ما ظهرت المخطوطات معروضة للبيع عند تاجر انتيكات في بيت لحم عرف باسم كاندو، والذي باعها لحساب التعامرة، فقام رئيس دير سانت مارك للكاثوليك السوريين بشراء أربع مخطوطات، بينما اشترت الجامعة العبرية بالقدس المخطوطات الثلاث الباقيات، وفيما بعد اشترت الجامعة العبرية المخطوطات الأربع، وهكذا أصبحت المخطوطات السبع الأولي في حوزة الجامعة العبرية الإسرائيلية.
وعندما نشبت الحرب بين العرب واسرائيل عام 1967، كان من نتائجها سقوط الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية، وكذلك متحف القدس الذي توجد به المخطوطات، ولم يفلت من هذا المصير سوي مخطوطة واحدة هي المخطوطة النحاسية، لأنها كانت في عمان في ذلك الوقت، وقد تم التعتيم علي المخطوطات تماما من قبل السلطات الإسرائيلية.

البحث عن الكنز
عندما عثر بدو التعامرة علي أول كهف بمنطقة قمران في ربيع 1947 بالقرب من البحر الميت، كانت فلسطين تحت الحماية البريطانية، ومدينة القدس والضفة الغربية في أيدي الفلسطينيين، وفي تلك الفترة، تمكنت الجامعة العبرية من شراء المخطوطات السبع التي عثر عليها التعامرة، ثم نشبت الحرب العربية الإسرائيلية اثر اعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، فأصبحت منطقة قمران والتي تقع في الضفة الغربية، تحت سيطرة المملكة الأردنية الهاشمية، عندئذ بدأ الأردنيون ينظمون عمليات أثرية للبحث عن المخطوطات.
وقد عثر الأثريون علي العديد من المخطوطات الجديدة موزعة علي 11 كهفا، فقامت الحكومة الأردنية عام 1953بتشكيل لجنة عالمية من ثمانية باحثين لتولي عملية إعداد المخطوطات ونشرها، الا أن الحرب نشبت مرة ثانية بين العرب وإسرائيل عام 1967، وكانت نتيجتها سقوط الضفة الغربية كلها تحت السيطرة الإسرائيلية، ومن بينها متحف القدس، ولم يتمكن الإسرائيليون في البداية من العثور علي مخطوطات قمران في أي من قاعات العرض بالمتحف الفلسطيني، وظنوا أنها لابد وأن تكون قد نقلت الي عمان، الا أنهم وجدوها بعد ذلك مخبأة في خزانة سرية مبنية داخل أحد الجدران، كما وجدوا كهفا به مخطوطات كان سقفه قد انهار في الأزمنة القديمة، وقد وجدوا به بعض القصاصات الجلدية وحوالي أربعين زلعة خاوية، كما وجدوا مخطوطة نحاسية يبلغ طولها متران و46 سنتيمتراً مقطوعة الي جزءين ومدفونة عند مدخل الكهف، وتبين أن بها نصا عبريا في 12عمودا يحتوي علي كتابات ذات طابع غير ديني، وقد ورد به ذكر بعض الكنوز من الذهب والفضة مخبأة في أربعة وستين موقعا سريا بمواقع مختلفة من فلسطين، وتبلغ مجمل عناصر الكنز المختفي حوالي ثلاثة آلاف وزنه من الفضة وألف وثلاثمائة وزنه من الذهب إلي جانب خمسة وستين قضيبا من الذهب والفضة، وعند حساب الوزن الإجمالي لهذه الأعداد تبين أنها تبلغ 65 طنا من الفضة و26 طنا من الذهب.
وقد اعتقد بعض الباحثين أن قصة الكنز ما هي الا قصة وهمية من نسج الخيال، بينما اعتقد البعض الآخر أنها قصة رمزية تشبه القصة العربية المصرية المعروفة باسم كتاب اللآليء المدفونة والأسرار الثمينة والتي تحتوي علي تعليمات للدلالة علي مواقع كنز رمزي له دلالة روحية.
ويتساءل الباحث أحمد عثمان هل صحيح أن مخطوطات قمران تتضمن من المعلومات ما يتعارض مع التعاليم المسيحية؟
والجواب علي ذلك السؤال هو قطعا بالنفي كما يقول فليس هناك أي نص ضمن المخطوطات،يؤثر تأثيرا سلبيا علي تعاليم السيد المسيح، بل علي العكس، فإن ما عثر عليه من مخطوطات في قمران أظهر وجود جذور عميقة للجماعة المسيحية الأولي، وليس الوضع علي نفس الحال بالنسبة إلي يهودية الكهنة التي كانت سائدة فيما بين القرن الخامس قبل الميلاد وحتي قضي عليهم الرومان عام 70 للميلاد،فمن الواضح أن الصراع بين العيسويين في قمران وبين الكهنة الصدوقيين في القدس قد ساعد علي تقوية جماعة الفريسيين التي تزعمها الفقهاء الأحبار، وهم الذين أقاموا الديانة اليهودية الجديدة بعد اختفاء الكهنة منذ نهاية القرن الأول للميلاد، وقدموا تعاليمهم في شروحات أصبحت تعرف بعد ذلك باسم التلمود. وتوضح مخطوطات قمران مدي الصراع الذي كان قائما داخل مجتمع يهودا نفسه، مما يدل علي أنه، حتي ولو لم يقم الرومان بذبح الكهنة عام 70، فان حركة الفريسيين الشعبية كانت ستحقق من الضغوط ما يؤدي الي إحلال عقيدتهم التي تقوم علي دراسة التوراة وشروحاتها محل طقوس الأضحيات في المعبد كجوهر للديانة اليهودية.
الا أن ما أزعج الفاتيكان لم يكن تعارض المخطوطات مع المسيحية، وإنما تعارضها مع تعاليم الكنيسة الرومانية التي فرضتها علي الجماعة المسيحية منذ القرن الثاني للميلاد، في محاولتها للسيطرة عليها، رغم تأكيد بعض الباحثين علي أن المخطوطات ترجع في كتابتها الي تاريخ يسبق ظهور الديانة المسيحية بفترة طويلة، مما دفعهم للقول بعدم وجود علاقة بينها وبين العهد الجديد وقصة المسيح، وهم يحددون تاريخ كتابتها في الفترة ما بين النصف الأول من القرن الثاني قبل الميلاد، والنصف الأول من القرن الأول للميلاد.

طبعة كاملة لأول مرة في التاريخ
كان لدار جاليمار الفرنسية الشهيرة الفضل في إصدار طبعة كاملة ومحققة من مخطوطات البحر الميت، فقد كلفت الباحث الكبير أندريه دوبون سومر بالإشراف عليه، فأنجز قسما كبيرا من العمل قبل أن يفارق الحياة، وقد تسلم الإشراف علي تحقيق المخطوطات بعده الأستاذ مارك فيلونينكو مع فريق من أربعة عشر محققا من ألمع المحققين في هذا المجال، وقد أنجز العمل في عشرين عاما، وصدر باللغة الفرنسية عام 1987 وقد احتوي للمرة الأولي علي مخطوطات البحر الميت محققة بالكامل، إضافة الي أسفار التوراة المنحولة، وجاء عنوان الكتاب العام التوراة، كتابات ما بين العهدين وصدر في جزأين، الجزء الأول تحت عنوان الكتابات القمرانية ، أما الجزء الثاني فحمل عنوان منحولات العهد القديم وقام بترجمته موسي ديب الخوري وصدر عن دار الطليعة الجديدة بدمشق.