المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [خبر] الاعتناء بقضية المواريث في 'نظم الغرر في سلك الدرر'


سوق الكتبيين
25-05-2011, 06:16 PM
الاعتناء بقضية المواريث في 'نظم الغرر في سلك الدرر'
بقلم: د. ذنون الطائي


ما أن تذكر الموصل إلا وتذكر معها رديفها العلم، فهي مدينة العلم والعلماء، وهذا ما تؤكده الوقائع اليومية، والنتاجات المعرفية، فلا تمضي فترة إلا ونشر مخطوطٌ أو تحقيقٌ أو ديوانٌ شعري أو عمل أدبي، إذ تكتنز خزانات بعض البيوتات الموصلية العديد من تلك (الدرر) المخطوطة، فقيض الله من يجلي عنها تراب الزمن والنسيان، ويظهرها للملأ لينتفع منها أرباب العلم ورواده. وعملاً بالحديث "زكاة العلم نشره".
ومن تلك الخزانات الوثيرة بالمصادر والمخطوطات "خزانة أسرة آل الديوه جي" التي تضم الأعمال العلمية في حقول (التاريخ والتراث وعلوم القرآن والمواريث والعقائد وسواها)، لأرباب العلم، الشيخان الراحلان: عثمان وأحمد وابنه سعيد الديوه جي - فإنهم قضوا شطراً من حياتهم في مزاولة العلم ودروسه، وكان لهم نصيب وافر في المطالعات المعرفية، وتأليف الكتب والمخطوطات، وتحقيق بعضها أو التعليق بالحواشي عليها، خدمة للدين والعلم والعباد.
وفي إطار السعي للكشف عن تلك المخطوطات، والسعي لإعادة ترتيبها وتنسيقها وإحالتها للمتخصصين في مراجعتها والتعليق عليها، كما هو الحال في الكتاب الذي بين يدينا وهو "شرح نظم الغرر في سلك الدرر" للسيد محمود أمين الفخري (امين الفتوى)، بشرح الشيخ العلامة احمد افندي الديوه جي، الصادر عن دار ابن الاثير للطباعة والنشر سنة 2011، وعمر هذا "المخطوط" قبل النشر ما يزيد عن الخمسة عقود من الزمان، وهو بخط تلميذ المؤلف الشيخ محمد امين الملا يوسف الموصلي والمجاز من المؤلف بالعلوم والمعارف الشرعية، وقد أتيحت الفرصة الىن للكشف عنه ونشره، إعماماً للفائدة وبخاصة للمهتمين في "علم المواريث" وهو محور مضامين الكتاب.

وعن سبب نشر هذا المخطوط الآن يقول الدكتور أبي سعيد الديوه جي:
"تضم مكتبة والدي سعيد الديوه جي، مجموعة من الكتب المخطوطة ومن بين هذه الكتب: كتب جدي الشيخ أحمد الديوه جي، والتي احتفظ بها والدي مع مجموعة من الوثائق والاجازات التي منحت لجدي، وبخاصة تلك التي منحها إياه الشيخ محمد أفندي الرضواني، وقد دفعني لأن أقوم بنشر رسائل جدي هذه، أنه قد مضى على تأليفها وقت طويل، وفيها الفائدة ما يتطلب العمل على نشرها، إلا اني وجدت صعوبة بالغة، وبخاصة انها تتناول جوانب فقهية معمقة (في علوم المواريث) تترك لاصحاب الشأن، فقصدت الاخ الفاضل الدكتور أكرم عبدالوهاب الاستاذ في جامعة الموصل، فرحب بالفكرة وقام بمراجعة الكتاب هذا على خير وجه، وقام بتقسيمه الى ابواب متعددة، واضاف العديد من الهوامش والتعليقات على المتن، وبمتابعة جادة اظهرت المطبوع هذا بأحسن صورة".
اما الشيخ احمد بن محمد الديوه جي، شارح منظومة السيد محمود الفخري في علم الفرائض (المواريث)، فهو معروف بغزارة علمه وتفقهه بأمور الدين، اذ نشأ منذ نعومة أظفاره على المحبة والخلق، وارتضع لبان العلم والمعرفة، ودرس التجويد على شيخه الأول والده محمد الديوه جي، ولما شب لازم أخاه الشيخ عثمان في الدراسة فتعلم القرآن الكريم، وأفاد على عدد من المشايخ الكبار ثم، راجع العلامة الشيخ محمد الرضواني، فأفاد عليه النحو والصرف والاستعارة وعلم المنطق وأخذ عنه الاجازة العلمية، ودخل دار المعلمين الابتدائية وتخرج منها وأكمل دراسته على العالم عارف السليماني في علوم الهيئة والجبر والمثلثات وتشريح الأفلاك والاسطرلاب، وفي سنة 1909 عُين مفتياً لقضاء سنجار، وبعد عشر سنوات عين مدرساً في جامع نبي الله جرجيس – عليه السلام، وتقلد التدريس في مدارس أخرى، وتتلمذ عليه عدد وافر من تلاميذ العلم في الموصل ومن أبرز نتاجاته العلمية:
1- شرح منظومة السيد احمد الفخري الموصلي في علم الفرائض (المواريث) وهو الذي بين ايدينا.
2- شرح الورقات في علم اصول الشافعية.
3- كشف الستار شرح المنار في علم اصول الحنفية.
4- شرح منظومة ابن الشحنة في علم البلاغة، والعمل جاد في إظهاره.
5- مجموعة تقع في مجلدين تحتوي على أنواع الفنون من أحاديث وحكم وأمثال وأشعار وتراجم لايستغني عنها اديب او لبيب.
وصاحب "نظم الغرر في سلك الدرر"، السيد محمود امين الفخري (امين الفتوى) وهو ابن الشيخ محمد امين الاعرجي، من سلالة علماء أدباء فضلاء، عاش إحدى واربعين سنة، ولد سنة 1827، الا انه اتحف بفضله أهل عصره من علومه ما لم ينتجه غيره في ثمانين سنة - كما يقول الدكتور أكرم عبدالوهاب - وتقلد القضاء في مدينة العمادية، ثم منصب امانة الفتوى في الموصل، توفي سنة 1868، وترك مجموعة من المؤلفات منها:
1- المنظومة الفقهية المسماة "العقد النضيد" في الفقه وقواعده، وقد نظمها في 1000 بيت، وهو جهد عظيم.
2- المنظومة المسماة "نظم الغرر في سلك الدرر" في علم الفرائض (المواريث) الذي بين ايدينا شرحه، وقد طبع محققاً ملحقاً في نهاية العرض.
3- ديوان شعري يتضمن قصائد ومنظومات متنوعة في أبوابها.
4- المجموعة الفقهية وهي مرتبة على أبواب الفقه.
و"نظم الغرر في سلك الدرر"، يهتم كما أسلفنا بعلم المواريث ويضم فصولاً وأبواباً متعددة بلغ عددها 30 مع المقدمة والارجوزة في نهايتها، منها: مسائل، أهملها الناظم، الشروع في المقصود من علم الفرائض، باب معرفة ذوي الفروض، باب التعصيب وبيان انواعه، فصل في جهة الولاء، باب الحجب، باب معرفة مخارج الفروض ومعرفة مسائل العول، ما يعدل من هذه المخارج وما لا يعدل. الباقي من مخارج الفروض، باب معرفة النسب بين الاقسام الأربعة، باب التصحيح (وسواها).
ويذكر د. أكرم عبدالوهاب، أن هذه المنظومة شرحها عالمان فاضلان، الأول: السيد العلامة داؤد بن سليمان التكريتي (1854-1941)، وسماه "مختصر شرح سيد شريف" ونال الطالب فرج وليد شهادة الماجستير فيه بكلية التربية في جامعة تكريت، قسم علوم القرآن. والثاني: لمعاصره الشيخ احمد الديوه جي. وهذان الشرحان على هذه المنظومة يتفقان في أمور منها:
1- أن كليهما شرحاها ولكن لا يعلم أحدهما بشرح الآخر، ولذا يذكر لنا الديوه جي في مقدمته لشرحها قوله: "إذ لم يقع لها شرح يزيل عنها الحجاب، ويظهر ما خفي منها تحت النقاب" مع أن صاحبه التكريتي أتم شرحها سنة 1330هـ، وشيخنا الديوه جي أتم شرحها بعده بتسع عشرة سنة يعني عام 1349هـ.
2- والغريب أيضاً ان كلا الشيخين ناغيا منظومة ابن الشحنة في البلاغة المسماة (بالمائة بيت) فشرحاها، أسماه التكريتي "مفيد أهل السِنَه على منظومة ابن الشحنة".
3- وكلا الشيخين أيضاً غمزا شرح السراجية فنقلا منه وأخذا عنه، حتى إن التكريتيَّ سماه "مختصر شرح سيد شريف" ولكن بين مكثر في النقل ومقِلّ.
ومما اختلفا فيه:
1- أن شرح الشيخ الديوه جي يُعنى غاية الاعتناء بقضية المواريث، فهو يدأب في شرح كل ما يتعلق به، فحيث ذكرت البلاغة فلا يلتفت لها، ولا يعرّج عليها، لا هي ولا جوانب النحو، بخلاف السيد داود التكريتي.
2- اهتم الشيخ الديوه جي بخلاف الفقهاء في المسائل، فهو يقول في مقدمته "منبهاً على المسائل الخلافية بين الائمة الحنفية والشافعية، وربما ذكرت مذهب غيرهما، اذا كان له نوع تعلُّق بها" وفعلا فقد أكثر من النقل عن غيرهما.
3- ومن منهج الديوه جي في شرحه أنه يعرض للمسألة الواحدة عدداً كبيراً من الأمثلة، بل كاد لا يسوق مسألة الا وأشبعها بأمثلة على اختلاف نواحيها، مع سرده أيضاً للنصوص الاستدلالية من الكتاب والسنة والاجماع، على خلاف الشيخ التكريتي فإنه يقتصر في الغالب على المطلوب.
4- والديوه جي يُعنى بكل بيت فيشرحه وإن كان واضحاً، على خلافه عند التكريتي فقد يهمل شرح الواضح، وقد يشرح البيت، أو البيتين بكلمات.
5- وقد يدافع الديوه جي أو يعترض على الناظم، وقد يضيف عناوين ومسائل، وقد يوغل في الاعتراض عليه، فيقول مثلاً حينما يمدح الماتنُ نظمه بأنه سلس فيقول: "وهذه مجرد دعوى لا بيِّنة عليها".
6- وعلى كل فإن الشيخ الديوه جي أمكن في مادته، وأدق في شرحه، ولو يسرّ الله في الجمع بين الشرحين، هذا بدقته وامثلته، وهذا ببيان البلاغة والنحو والاعراب، لخرج لنا كتاب جامع جليل.
وأخيراً هذه دعوة للمهتمين بعلم المواريث، وبخاصة طلاب العلوم الدينية وطلبة الحقوق، وللمطلعين والمتابعين، للاستفادة من تلك الشروحات الوافية المستندة إلى ما جاء في القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وفق الله الساعي للخير بنشر العلم وزكاته وللدكتور ابي سعيد الديوه جي على نشره، وللدكتور أكرم عبدالوهاب على مراجعته والتعليق عليه لما لهذه "الغرر من درر" في علم المواريث.
أ‌. د. ذنون الطائي
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصرـ مدير مركز دراسات الموصل (العراق)

ميدل ايست أونلاين - 2011-05-25