سوق الكتبيين
15-01-2009, 04:29 PM
قراءة في مدوّنة " المعيار المُعرب " للونشريسي المالكي " 1-2 "
كتب الفتاوى والنوازل لدى علماء المذاهب الفقهية
15 / 1 / 2009 - صحيفة الشبيبة العمانية :
الندوة الفقهية التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مؤخرا تطرقت إلى قضايا مهمة وتميزت ببحوث قيمة غاصت في عمق الموضوع وجالت بين المرجع والكتب الدسمة لتقدم نتائج مهمة وضعت النقاط على الحروف وأجابت على العديد من الاسئلة بدقة متناهية ونتوقف هنا مع البحث الذي قدمه الدكتور احميدة النفير الذي يعتبر من الاسماء اللامعة في مجال التأليف واثراء المكتبة الدينية حيث تناول موضوع كتب الفتاوى والنوازل لدى علماء المذاهب الفقهية وذلك من خلال قراءة في مدوّنة "المعيار المُعرب" للونشريسي.
** توطئة :
تعتبر مدوَّنة أبي العباس الونشريسي (تــ 914هــ/ 1508): المعروفة بـ" المعيار" من أشهر المصادر الفقهية في المذهب المالكي المعتَمدة في الغرب الإسلامي لقرون متوالية .
من ثم، فإنه من الضروري النظر في "المعيار " عند تناول قضية الفتاوى والنوازل وما تستبطنه من خصائص فقهية وفكرية باعتبارها عاملا مساعدا للمقاربة التي تنطلق من التجديد الفقهي.
كتاب "المعيار المُعرب والجامع المُغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب" بما حواه من فتاوى ونوازل طرأت فيما بين القرن الثالث والتاسع الهجريين ( 9 و15 م ) ونشرها شيوخ المذهب المالكي في الأقطار الأربعة المغربية، ظلّ بمجلداته الإثني عشر يعتبر عمدة رجال الإفتاء لوفرة مادته الفقهية ولحرص صاحبه على بيان طرق استنباط الأحكام.
يضاف إلى هذا أن " المعيار" إذا ما قُرِئ قراءة تاريخية نقدية فإنّ فيه ما يؤكد أهميّة مقولة "تجديد الفتوى اليوم"، ذلك أنّه إذا كان الفقه أهمّ ركن من أركان الخصوصية الحضارية للمجتمعات الإنسانية فإن أيّ تصوّر لمستقبل الأمّة لا يمكنه ابتداء الإعراض عن التراث الفقهي لأنه جزء أساسيّ من ذاكرته الجمعية فهو ملزَم لذلك بإبداع منظومة أصولية جديدة لقراءة النص المرجعي واستنباط الاحكام منه. ما نعتني به في قراءتنا للونشريسي هو وعي رجال الإفتاء عند تصدّيهم للنوازل في تلك القرون بمدى أهميّة الواقع المتحرّك الذي يفرز تلك الوقائع ودرجة الإضافة التي يقدمون عليها بما يكسب ذلك الواقع مزيدا من التوازن والحصانة.
سؤالنا الذي يمثّل خيطا ناظما في قراءة الونشريسي هو: هل كانت فتاوى "المعيار" تعبيرا عن جدل مع الواقع ومستجداته أم كانت تسييجا له وتصديّا للحراك الذي يخترقه؟ بتعبير آخر هل كان الفقهاء في فتاواهم يصدرون عن وعي بدلالات الحراك الاجتماعيّ السياسيّ وعمّا يستدعيه موقعهم ضمن ذاك الحراك البطيء والثابت؟ هل كانوا يعتبرون أنفسهم مجرّد رقباء معزولين عن التوازن الاجتماعي السياسي غير متصدّين لما تعنيه ثنايا تلك النوازل من مطالبات بالمراجعة أو التصويب أو التجديد؟ أم أنّهم في وظيفتهم الرقابيّة لا يرغبون في التخلّي عن كلّ ما يكسب الواقع قدرا أكبر من التماسك واستعدادا أوفر للانفتاح على أفق التجديد؟
سؤالنا في القراءة التي نقترحها يتعلّق أساسا بالفقيه قديما في نظرته إلى مهمّته وإلى الواقع ومستجداته ودلالات تلك النظرة من الناحيتين المنهجيّة والمعرفيّة؟
ما نسعى إليه في دراستنا لمدونة فتاوى الونشريسي هو التوصّل إلى "شهادة الفقيه على زمانه" تلك الشهادة التي تتجاوز المقولة المعروفة : " لا وجود لنص فقهي لا يعكس الواقع بطريقة أو بأخرى" إلى بحث مقولة : " لا علاقة حقيقيّة للفقهاء بواقعهم ووقائعه إلاّ بوعي نوعيّ يكشف القوى المجمّدة للواقع والتراث؟ لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة نبدأ بالتعرف إلى مدوَّنة أبي العبّاس الونشريسي.
** " المعيار " وكبرى النوازل :
نُشر كتاب "المعيار المُعرب والجامع المُغرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب في طبعة أولى (سنة 1314/ 1879) بفاس وثانية في دار الغرب الإسلامي, بيروت, (1401/1981) ويتكوّن من 13 مجلدا، ألّفه أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي (من جبال الونشريس غرب الجزائر) ولد بتلمسان سنة 834/ 1430 ثم أقام بفاس سنة 874/ 1469 وبها توفي سنة 914/ 1508.
كان للونشريسي تكوين فقهي متين ومعرفة دقيقة بالمذهب المالكي الأمر الذي أتاح له استفادة كبرى من مكتبة آل الفرديسي بفاس فاستخرج منها مادة مجلداته الإثني عشر التي شرع فيها سنة 890 هـ / 1485 م ليفرغَ منها قبيل وفاته سنة 911 هـ / 1503 م.
لم يقتصر عمل الونشريسي على جمع ألفين ومائةٍ وخمسٍ وثلاثين فتوى أصدرها رجال معاصرون له وآخرون متقدمون عليه بل تجاوز ذلك إلى تصنيفها والتعليق عليها وإثرائها بالاستشهادات والتأصيل بحسب ما تدعو إليه الحاجة أو ما يقتضيه المقام مع اهتمام خاص بتعدد الآراء الناشئة عن مراعاة مختلف الأعراف السائدة. هذا إلى جانب ميل أكيد إلى الترجيح والتضعيف والقبول والرّد.
هذه الإضافات النوعية أكسبت "المعيار" قيمة مرجعية عظمى جعلته معتمَدا بعد وفاة صاحبه عدّة قرون في المغرب فقد تحوّل إلى أداة عمل قيّمة يعوّل عليها الفقهاء المغاربة في نشاطهم العلمي والقضائي. إنه أثر فقهي يغطّي إنتاجا معرفيا ممتدّا على ستة قرون يُبرز جانبا من الخصائص العلمية للمذهب المالكي.
للمعيار جانب ثان لا يقل أهمية عن الأول، إنه وثيقة تاريخية دقيقة تساعد على فهم طبيعة جانب من حياة الغرب الإسلامي الاجتماعية في العصر الوسيط. ما تفيده الأسئلة المطروحة على الفقيه المغربي في غالب النوازل المعروضة يلقي الضوء عما كان يعتمل في واقع تلك المجتمعات المغاربية من مشاكل وما تطرحه تلك المشاغل من تساؤلات متصلة بالأنظمة والقيم.
لذلك فإن كتاب "المعيار" ليس كتاب أقضية ونوازل فقهية تُحيل على القواعد الأصولية والفقهية وعلى منطقها التشريعي فحسب، بل هو إلى جانب ذلك أثر ضخم تاريخي ثقافي وحضاريّ يعسر أن نجد نظيرا له للمرحلة التي تعنينا والإشكال الذي نتناوله.
بالمزاوجة بين هذين الجانبين، الفقهي الأصولي، والتاريخي الثقافي يمكن أن يبرز لنا بُعدٌ منهجيّ فكريّ لفقه النوازل يتجاوز الدلالة المتداولة التي لا ترى فيه إلاّ مجرد "معرفة الحوادث التي تحتاج إلى حكم شرعي".
من أمعن النظر في مادّة هذه المدوّنة تبيّن له أن أفضل التسميات المقترحة لفقه النوازل هو فقه الواقع أو فقه الأولويّات، أمّا فقه الواقع فلأنه فهم الحياة بتحديّاتها التي تتطلب من الفقهاء شهادة واعية لما يواجهه الشخص وما تعاني منه المجتمعات، أمّا أنّه فقه أولويّات فلأنه يعبّر عن وعي تراتبيّ يدرك ما للنازلة من خطورة سواء أكانت للفرد أم للمجتمع ودرجة أولويّتها بالبحث والاستقصاء قصد إبراز الحكم الذي يناسبها.
لإضاءة هذا المعنى نأخذ مثالا أوّل من "المعيار" لنازلة كبرى من نوازل التاريخ احتاجت إلى حكم شرعيّ وقع التنازع عليه هي إخراج المسلمين من الأندلس بعد أن دالت دولتهم، يقول الونشريسي عن المسلمين الذين فرّوا من الأندلس إلى بلاد المغرب : " زعموا أنهم فرّوا إلى الله سبحانه بأديانهم وأنفسهم وأهليهم (...) واستقرّوا بدار الإسلام تحت طاعة الله ورسوله وحكم الذمة المسلمة. (بعد ذلك) ندموا على الهجرة بعد حصولهم بدار الإسلام وسخطوا وزعموا أنهم وجدوا الحال عليهم ضيقة...".
ما يحزّ في نفس الونشريسي – عند تناوله مأساة سقوط الأندلس هو انقلاب حال المسلمين، فكيف يستسيغ المسلم أن يتنكر لبلاد الإسلام فيعلن دون وجل عن ندمه على هجرته من بلاد الأندلس التي أصبحت تحت حكم ملوك النصارى إلى بلاد المغرب المسلمة. يقول بعضهم : "إن جاء صاحب قشتالة نسير إليه فنطلب منه أن يردّنا إلى هناك يعني دار الكفر... للدخول تحت الذمة الكافرة، كيف أمكنهم ذلك؟ ... وكيف رجع منهم بعد الحصول في دار الإسلام إلى دار الكفر والعياذ بالله؟".
إن ما يتعذّر على صاحب "المعيار" قبولُه هو : كيف يرتضي هؤلاء المسلمون الأندلسيون الهوان فيقبلوا أن يكونوا اتباعا في حين أعزهم الإسلام وجعلهم سادة وجعل الذمّي صاغرا تحت رعاية المسلم؟
من هذا الجانب يعتمد الونشريسي موقف عموم فقهاء المسلمين القائلين بعُلوية الشريعة الإسلامية في ضبط علاقات الأفراد والمجتمع بحكّامهم وهي المرجعية التي يعتمدها الفقهاء في حماية عموم المسلمين من كل انحراف يصدر تجاههم وخصوصا من قبَل الأمراء.
هذا المبدأ الذي حكم رؤية الونشريسي في تقويمه لوضع المسلمين مع سقوط الأندلس هو الذي ظلّ يحكم رؤية الفقه الإسلامي برمته طوال العصر الوسيط وهو الذي كان أكثر تعرضا للهزات في الفترة الحديثة.
لهذا المثال بقيّة يتأكّد ذكرها فالونشريسي الذي أدان بشدة موقف الأندلسيين الذين ارتضوا الإقامة تحت حكم ملوك المسيحية الكاثوليكية بعد حرب الاسترداد، ينقل لنا في معياره فتوى مخالفة لفقهاء إفريقية في قضية مشابهة عرضت عليهم قبل ثلاثة قرون، فمنذ القرن الخامس الهجري / 11 م كانت مسألة تبعية المسلم لحكم غير المسلم مطروحة على الفقهاء المغاربة، كان السؤال المطروح هو: هل أن إقامة القاضي والعدل بدار الحرب اضطرارا (المقصود بها صقليّة تحت الحاكم غير المسلم) مما يقدح في عدالتيهما؟ كان الجواب أن المقيم ببلد الحرب لا شيء "يقدح في عدالته... وقال ابن عرفة... ليس في ذلك جرحة لخوف تعطيل الأحكام". واضح ما بين مثل هذه الفتوى الصادرة في القرن الخامس الهجري والأخرى الصادرة في القرن الثامن من تحولات كبيرة لا يمكن إغفالها، فظروف إقامة قضاة صقلية كانت تتميز بنوع من التسامح وحرية في ممارسة الشعائر لم يعرفها مسلمو الأندلس تحت سلطة حكام الكاثوليكية بعد ثلاثة قرون. لذلك كان الونشريسي ينقل لنا في "المعيار" عبارات بعض النادمين على مفارقة الأندلس بعد حرب الاسترداد بكثير من الاستهجان والإدانة : "إن محبة الموالاة الشركية والمساكنة النصرانية والعزم على رفض الهجرة والركون إلى الكفار والرضى بدفع الجزية إليهم ونبذ العزة الإسلامية والطاعة الإمامية (...) وظهور السلطان النصراني فواحش عظيمة قاصمة للظهر تكاد أن تكون كفرا والعياذ بالله". المؤكد أن ملوك إسبانيا لم يكونوا يتورعون عن إكراه المسلم عن ارتداد على دين وإجباره على حضور الصلوات بالكنائس .
وراء هذا النموذج الأوّل نكتشف ما كان لـــ"فقه الوقائع" من أهميّة تاريخيّة لكونه في جدليته مع الواقع توصّل إلى تمكين الفقهاء من مكانة يمكن أن نصفها بـــ" القوّة المرنة" التي كانت تأخذ بعين الاعتبار مصالح الناس وأعرافهم المختلفة استنادا إلى مقولة الإمام مالك بضرورة اعتبار "عمل الناس" وإمكان تقديمه أحيانا على بعض النصوص الشرعية.
كتب الفتاوى والنوازل لدى علماء المذاهب الفقهية
15 / 1 / 2009 - صحيفة الشبيبة العمانية :
الندوة الفقهية التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مؤخرا تطرقت إلى قضايا مهمة وتميزت ببحوث قيمة غاصت في عمق الموضوع وجالت بين المرجع والكتب الدسمة لتقدم نتائج مهمة وضعت النقاط على الحروف وأجابت على العديد من الاسئلة بدقة متناهية ونتوقف هنا مع البحث الذي قدمه الدكتور احميدة النفير الذي يعتبر من الاسماء اللامعة في مجال التأليف واثراء المكتبة الدينية حيث تناول موضوع كتب الفتاوى والنوازل لدى علماء المذاهب الفقهية وذلك من خلال قراءة في مدوّنة "المعيار المُعرب" للونشريسي.
** توطئة :
تعتبر مدوَّنة أبي العباس الونشريسي (تــ 914هــ/ 1508): المعروفة بـ" المعيار" من أشهر المصادر الفقهية في المذهب المالكي المعتَمدة في الغرب الإسلامي لقرون متوالية .
من ثم، فإنه من الضروري النظر في "المعيار " عند تناول قضية الفتاوى والنوازل وما تستبطنه من خصائص فقهية وفكرية باعتبارها عاملا مساعدا للمقاربة التي تنطلق من التجديد الفقهي.
كتاب "المعيار المُعرب والجامع المُغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب" بما حواه من فتاوى ونوازل طرأت فيما بين القرن الثالث والتاسع الهجريين ( 9 و15 م ) ونشرها شيوخ المذهب المالكي في الأقطار الأربعة المغربية، ظلّ بمجلداته الإثني عشر يعتبر عمدة رجال الإفتاء لوفرة مادته الفقهية ولحرص صاحبه على بيان طرق استنباط الأحكام.
يضاف إلى هذا أن " المعيار" إذا ما قُرِئ قراءة تاريخية نقدية فإنّ فيه ما يؤكد أهميّة مقولة "تجديد الفتوى اليوم"، ذلك أنّه إذا كان الفقه أهمّ ركن من أركان الخصوصية الحضارية للمجتمعات الإنسانية فإن أيّ تصوّر لمستقبل الأمّة لا يمكنه ابتداء الإعراض عن التراث الفقهي لأنه جزء أساسيّ من ذاكرته الجمعية فهو ملزَم لذلك بإبداع منظومة أصولية جديدة لقراءة النص المرجعي واستنباط الاحكام منه. ما نعتني به في قراءتنا للونشريسي هو وعي رجال الإفتاء عند تصدّيهم للنوازل في تلك القرون بمدى أهميّة الواقع المتحرّك الذي يفرز تلك الوقائع ودرجة الإضافة التي يقدمون عليها بما يكسب ذلك الواقع مزيدا من التوازن والحصانة.
سؤالنا الذي يمثّل خيطا ناظما في قراءة الونشريسي هو: هل كانت فتاوى "المعيار" تعبيرا عن جدل مع الواقع ومستجداته أم كانت تسييجا له وتصديّا للحراك الذي يخترقه؟ بتعبير آخر هل كان الفقهاء في فتاواهم يصدرون عن وعي بدلالات الحراك الاجتماعيّ السياسيّ وعمّا يستدعيه موقعهم ضمن ذاك الحراك البطيء والثابت؟ هل كانوا يعتبرون أنفسهم مجرّد رقباء معزولين عن التوازن الاجتماعي السياسي غير متصدّين لما تعنيه ثنايا تلك النوازل من مطالبات بالمراجعة أو التصويب أو التجديد؟ أم أنّهم في وظيفتهم الرقابيّة لا يرغبون في التخلّي عن كلّ ما يكسب الواقع قدرا أكبر من التماسك واستعدادا أوفر للانفتاح على أفق التجديد؟
سؤالنا في القراءة التي نقترحها يتعلّق أساسا بالفقيه قديما في نظرته إلى مهمّته وإلى الواقع ومستجداته ودلالات تلك النظرة من الناحيتين المنهجيّة والمعرفيّة؟
ما نسعى إليه في دراستنا لمدونة فتاوى الونشريسي هو التوصّل إلى "شهادة الفقيه على زمانه" تلك الشهادة التي تتجاوز المقولة المعروفة : " لا وجود لنص فقهي لا يعكس الواقع بطريقة أو بأخرى" إلى بحث مقولة : " لا علاقة حقيقيّة للفقهاء بواقعهم ووقائعه إلاّ بوعي نوعيّ يكشف القوى المجمّدة للواقع والتراث؟ لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة نبدأ بالتعرف إلى مدوَّنة أبي العبّاس الونشريسي.
** " المعيار " وكبرى النوازل :
نُشر كتاب "المعيار المُعرب والجامع المُغرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب في طبعة أولى (سنة 1314/ 1879) بفاس وثانية في دار الغرب الإسلامي, بيروت, (1401/1981) ويتكوّن من 13 مجلدا، ألّفه أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي (من جبال الونشريس غرب الجزائر) ولد بتلمسان سنة 834/ 1430 ثم أقام بفاس سنة 874/ 1469 وبها توفي سنة 914/ 1508.
كان للونشريسي تكوين فقهي متين ومعرفة دقيقة بالمذهب المالكي الأمر الذي أتاح له استفادة كبرى من مكتبة آل الفرديسي بفاس فاستخرج منها مادة مجلداته الإثني عشر التي شرع فيها سنة 890 هـ / 1485 م ليفرغَ منها قبيل وفاته سنة 911 هـ / 1503 م.
لم يقتصر عمل الونشريسي على جمع ألفين ومائةٍ وخمسٍ وثلاثين فتوى أصدرها رجال معاصرون له وآخرون متقدمون عليه بل تجاوز ذلك إلى تصنيفها والتعليق عليها وإثرائها بالاستشهادات والتأصيل بحسب ما تدعو إليه الحاجة أو ما يقتضيه المقام مع اهتمام خاص بتعدد الآراء الناشئة عن مراعاة مختلف الأعراف السائدة. هذا إلى جانب ميل أكيد إلى الترجيح والتضعيف والقبول والرّد.
هذه الإضافات النوعية أكسبت "المعيار" قيمة مرجعية عظمى جعلته معتمَدا بعد وفاة صاحبه عدّة قرون في المغرب فقد تحوّل إلى أداة عمل قيّمة يعوّل عليها الفقهاء المغاربة في نشاطهم العلمي والقضائي. إنه أثر فقهي يغطّي إنتاجا معرفيا ممتدّا على ستة قرون يُبرز جانبا من الخصائص العلمية للمذهب المالكي.
للمعيار جانب ثان لا يقل أهمية عن الأول، إنه وثيقة تاريخية دقيقة تساعد على فهم طبيعة جانب من حياة الغرب الإسلامي الاجتماعية في العصر الوسيط. ما تفيده الأسئلة المطروحة على الفقيه المغربي في غالب النوازل المعروضة يلقي الضوء عما كان يعتمل في واقع تلك المجتمعات المغاربية من مشاكل وما تطرحه تلك المشاغل من تساؤلات متصلة بالأنظمة والقيم.
لذلك فإن كتاب "المعيار" ليس كتاب أقضية ونوازل فقهية تُحيل على القواعد الأصولية والفقهية وعلى منطقها التشريعي فحسب، بل هو إلى جانب ذلك أثر ضخم تاريخي ثقافي وحضاريّ يعسر أن نجد نظيرا له للمرحلة التي تعنينا والإشكال الذي نتناوله.
بالمزاوجة بين هذين الجانبين، الفقهي الأصولي، والتاريخي الثقافي يمكن أن يبرز لنا بُعدٌ منهجيّ فكريّ لفقه النوازل يتجاوز الدلالة المتداولة التي لا ترى فيه إلاّ مجرد "معرفة الحوادث التي تحتاج إلى حكم شرعي".
من أمعن النظر في مادّة هذه المدوّنة تبيّن له أن أفضل التسميات المقترحة لفقه النوازل هو فقه الواقع أو فقه الأولويّات، أمّا فقه الواقع فلأنه فهم الحياة بتحديّاتها التي تتطلب من الفقهاء شهادة واعية لما يواجهه الشخص وما تعاني منه المجتمعات، أمّا أنّه فقه أولويّات فلأنه يعبّر عن وعي تراتبيّ يدرك ما للنازلة من خطورة سواء أكانت للفرد أم للمجتمع ودرجة أولويّتها بالبحث والاستقصاء قصد إبراز الحكم الذي يناسبها.
لإضاءة هذا المعنى نأخذ مثالا أوّل من "المعيار" لنازلة كبرى من نوازل التاريخ احتاجت إلى حكم شرعيّ وقع التنازع عليه هي إخراج المسلمين من الأندلس بعد أن دالت دولتهم، يقول الونشريسي عن المسلمين الذين فرّوا من الأندلس إلى بلاد المغرب : " زعموا أنهم فرّوا إلى الله سبحانه بأديانهم وأنفسهم وأهليهم (...) واستقرّوا بدار الإسلام تحت طاعة الله ورسوله وحكم الذمة المسلمة. (بعد ذلك) ندموا على الهجرة بعد حصولهم بدار الإسلام وسخطوا وزعموا أنهم وجدوا الحال عليهم ضيقة...".
ما يحزّ في نفس الونشريسي – عند تناوله مأساة سقوط الأندلس هو انقلاب حال المسلمين، فكيف يستسيغ المسلم أن يتنكر لبلاد الإسلام فيعلن دون وجل عن ندمه على هجرته من بلاد الأندلس التي أصبحت تحت حكم ملوك النصارى إلى بلاد المغرب المسلمة. يقول بعضهم : "إن جاء صاحب قشتالة نسير إليه فنطلب منه أن يردّنا إلى هناك يعني دار الكفر... للدخول تحت الذمة الكافرة، كيف أمكنهم ذلك؟ ... وكيف رجع منهم بعد الحصول في دار الإسلام إلى دار الكفر والعياذ بالله؟".
إن ما يتعذّر على صاحب "المعيار" قبولُه هو : كيف يرتضي هؤلاء المسلمون الأندلسيون الهوان فيقبلوا أن يكونوا اتباعا في حين أعزهم الإسلام وجعلهم سادة وجعل الذمّي صاغرا تحت رعاية المسلم؟
من هذا الجانب يعتمد الونشريسي موقف عموم فقهاء المسلمين القائلين بعُلوية الشريعة الإسلامية في ضبط علاقات الأفراد والمجتمع بحكّامهم وهي المرجعية التي يعتمدها الفقهاء في حماية عموم المسلمين من كل انحراف يصدر تجاههم وخصوصا من قبَل الأمراء.
هذا المبدأ الذي حكم رؤية الونشريسي في تقويمه لوضع المسلمين مع سقوط الأندلس هو الذي ظلّ يحكم رؤية الفقه الإسلامي برمته طوال العصر الوسيط وهو الذي كان أكثر تعرضا للهزات في الفترة الحديثة.
لهذا المثال بقيّة يتأكّد ذكرها فالونشريسي الذي أدان بشدة موقف الأندلسيين الذين ارتضوا الإقامة تحت حكم ملوك المسيحية الكاثوليكية بعد حرب الاسترداد، ينقل لنا في معياره فتوى مخالفة لفقهاء إفريقية في قضية مشابهة عرضت عليهم قبل ثلاثة قرون، فمنذ القرن الخامس الهجري / 11 م كانت مسألة تبعية المسلم لحكم غير المسلم مطروحة على الفقهاء المغاربة، كان السؤال المطروح هو: هل أن إقامة القاضي والعدل بدار الحرب اضطرارا (المقصود بها صقليّة تحت الحاكم غير المسلم) مما يقدح في عدالتيهما؟ كان الجواب أن المقيم ببلد الحرب لا شيء "يقدح في عدالته... وقال ابن عرفة... ليس في ذلك جرحة لخوف تعطيل الأحكام". واضح ما بين مثل هذه الفتوى الصادرة في القرن الخامس الهجري والأخرى الصادرة في القرن الثامن من تحولات كبيرة لا يمكن إغفالها، فظروف إقامة قضاة صقلية كانت تتميز بنوع من التسامح وحرية في ممارسة الشعائر لم يعرفها مسلمو الأندلس تحت سلطة حكام الكاثوليكية بعد ثلاثة قرون. لذلك كان الونشريسي ينقل لنا في "المعيار" عبارات بعض النادمين على مفارقة الأندلس بعد حرب الاسترداد بكثير من الاستهجان والإدانة : "إن محبة الموالاة الشركية والمساكنة النصرانية والعزم على رفض الهجرة والركون إلى الكفار والرضى بدفع الجزية إليهم ونبذ العزة الإسلامية والطاعة الإمامية (...) وظهور السلطان النصراني فواحش عظيمة قاصمة للظهر تكاد أن تكون كفرا والعياذ بالله". المؤكد أن ملوك إسبانيا لم يكونوا يتورعون عن إكراه المسلم عن ارتداد على دين وإجباره على حضور الصلوات بالكنائس .
وراء هذا النموذج الأوّل نكتشف ما كان لـــ"فقه الوقائع" من أهميّة تاريخيّة لكونه في جدليته مع الواقع توصّل إلى تمكين الفقهاء من مكانة يمكن أن نصفها بـــ" القوّة المرنة" التي كانت تأخذ بعين الاعتبار مصالح الناس وأعرافهم المختلفة استنادا إلى مقولة الإمام مالك بضرورة اعتبار "عمل الناس" وإمكان تقديمه أحيانا على بعض النصوص الشرعية.